عمر فروخ

337

تاريخ الأدب العربي

في نفس أبيه فشجّعه على أن يفعل ذلك . ثم بدا للحطيئة من بعيد سرب من حمر الوحش فاصطاد منها واحدا أطعم منه ضيفه وفدى ابنه : وطاوي ثلاث عاصب البطن مرمل * ببيداء لم يعرف بها ساكن رسما « 1 » ، أخي جفوة فيه من الأنس وحشة * يرى البؤس فيه ، من شراسته ، نعمى « 2 » تفرّد في شعب عجوزا إزاءها * ثلاثة أشخاص تخالهم بهما « 3 » ، حفاة عراة ما اغتذوا خبز ملّة ، * ولا عرفوا للبرّ - مذ خلقوا - طعما « 4 » . رأى شبحا وسط الظلام فراعه ، * فلمّا رأى ضيفا تشمّر واهتمّا « 5 » . تروّى قليلا ثم أحجم برهة . * وان هو لم يذبح فتاه فقد همّا « 6 » . وقال ابنه ، لمّا رآه بحيرة : * أيا أبت ، اذبحني ويسّر له طعما . ولا تعتذر بالعدم ، علّ الذي طرا * يظنّ لنا مالا فيوسعنا ذمّا « 7 » . فقال : هيا ربّاه ، ضيف ولا قرى ؛ * بحقّك ، لا تحرمه تا الليلة اللحما « 8 » . فبينا هم عنّت على البعد عانة * قد انتظمت من خلف مسحلها نظما « 9 » ، ظماء تريد الماء ، فانسلّ نحوها . * ألا إنّه منها إلى دمها أظما ! فأمهلها حتّى تروّت عطاشها ، * فأرسل فيها من كنانته سهما .

--> ( 1 ) الطاوي : الذي بات على الطوى ( الجوع ) ثلاث ليال . عاصب البطن : قد ربط بطنه ( ليمنع معدته من الحركة ) فلا يشعر بالجوع . مرمل : فقير ( قد امتلأ ماعون بيته بالرمل لفراغ ذلك الماعون من المؤونة مدة طويلة ) . لم يعرف بها ساكن رسما : لم ينزل بها أحد منذ زمن طويل . ( 2 ) أخي جفوة : غليظ الطبع . فيه من الانس وحشة : ألف الانفراد حتى لو رأى انسانا لاستغرب منه واستوحش . . . . يظن أن ضيق العيش الذي ألفه وتعوده رفاهية . ( 3 ) - عاش منفردا في شعب ( طريق في الجبل ، بعيدا عن الناس ) مع امرأته العجوز وثلاثة أولاد لهما تظنهم بهما ( صغار الغنم ) لنحولهم وهزالهم . ( 4 ) الملة : الرماد الحار . خبز ملة : العجين الذي يخبز . البر : الحنطة ، القمح . ( 5 ) تشمر للأمر : تهيأ ، استعد ( لخدمة الضيف واكرامه ) . اهتم : أظهر الاهتمام ؛ حزن ( إذ لم يكن لديه طعام لهذا الضيف ) . ( 6 ) تروى : فكر مليا ( في ذبح ابنه ) . أحجم : تأخر ، امتنع . البرهة : المدة . هم : كاد يفعل . ( 7 ) العدم : الفقر . طرأ : أتى من مكان بعيد . ( 8 ) ولا قرى : وليس عندي طعام للضيف . تا مؤنث ذا ( اسم إشارة ) . ( 9 ) فبينما هم ( في ذلك ) عنت ( ظهرت ، بدت ) . عانة ( قطيع ) . انتظمت : وقفت في صف مستقيم . المسحل في القاموس ( 3 : 394 ) لسان قومه والخطيب ( يقصد الحمار الوحشي الذي كان يسير على رأس ذلك القطيع ) .